أبي حيان التوحيدي
19
الإمتاع والمؤانسة
سرّا فلم أجد له من يتحلّى بحقيقته راغبا ، وأمّا ما كان علانية فلم أصب من يحرص عليه طالبا ، على أنّي جمعت أكثرها للنّاس ولطلب المثالة منهم ولعقد الرّئاسة بينهم ولمدّ الجاه عندهم فحرمت ذلك كلّه ، - ولا شكّ في حسن ما اختاره اللّه لي وناطه بناصيتي ، وربطه بأمري - وكرهت مع هذا وغيره أن تكون حجّة عليّ لا لي ، وممّا شحذ العزم على ذلك ورفع الحجاب عنه ، أنّي فقدت ولدا نجيبا ، وصديقا حبيبا ، وصاحبا قريبا ، وتابعا أديبا ، ورئيسا منيبا ، فشقّ عليّ أن أدعها لقوم يتلاعبون بها ، ويدنّسون عرضي إذا نظروا فيها ، ويشمتون بسهوي وغلطي إذا تصفّحوها ، ويتراءون نقضي وعيبي من أجلها فإن قلت : ولم تسمهم بسوء الظن ، وتقرع جماعتهم بهذا العيب ؟ فجوابي لك أن عياني منهم في الحياة هو الذي يحقق ظني بهم بعد الممات ، وكيف أتركها لأناس جاورتهم عشرين سنة فما صح لي من أحدهم وداد ، ولا ظهر لي من إنسان منهم حفاظ ؟ ولقد اضطررت بينهم بعد الشهرة والمعرفة في أوقات كثيرة إلى أكل الخضر في الصحراء ، وإلى التكفف الفاضح عند الخاصة والعامة ، وإلى بيع الدين والمروءة ، وإلى تعاطي الرياء بالسمعة والنفاق ، وإلى ما لا يحسن بالحر أن يرسمه بالقلم ، ويطرح في قلب صاحبه الألم ، وأحوال الزمان بادية لعينك ، بارزة بين مسائك وصباحك ، وليس ما قلته بخاف عليك مع معرفتك وفطنتك ، وشدة تتبعك وتفرغك ، وما كان يجب أن ترتاب في صواب ما فعلته وأتيته بما قدّمته ووصفته ، وبما أمسكت عنه وطويته ، إما هربا من التطويل ، وإما خوفا من القال والقيل . وبعد ، فقد أصبحت هامة اليوم أو غد فإني في عشر التسعين ، وهل لي بعد الكبرة والعجز أمل في حياة لذيذة ، أو رجاء لحال جديدة ؟ ألست من زمرة من قال القائل فيهم : [ الطويل ] نروح ونغدو كل يوم وليلة * وعما قليل لا نروح ولا نغدو وكما قال الآخر : [ الطويل ] تفوّقت درّات الصبا في ظلاله * إلى أن أتاني بالفطام مشيب وهذا البيت للورد الجعدي وتمامه يضيق عنه هذا المكان ، واللّه يا سيّدي لو لم أتعظ إلا بمن فقدته من الإخوان والأخدان في هذا الصقع من الغرباء والأدباء والأحباء لكفى ، فكيف بمن كانت العين تقرّ بهم ، والنفس تستنير بقربهم ، فقدتهم بالعراق والحجاز والجبل والري ، وما والى هذه المواضع ، وتواتر إلي نعيهم ، واشتدت الواعية بهم ، فهل أنا إلا من عنصرهم ؟ وهل لي محيد عن مصيرهم ؟ أسأل اللّه تعالى رب الأولين أن يجعل اعترافي بما أعرفه موصولا بنزوعي عما أقترفه ، إنه قريب مجيب . وبعد ، فلي في إحراق هذه الكتب أسوة بأئمة يقتدى بهم ، ويؤخذ بهديهم ،